حسن الأمين
101
مستدركات أعيان الشيعة
الأندلس الباقية ، فيما بين نهر الوادي الكبير والبحر المتوسط ، وبين نهر المنصورة ونهر وادي لكه . وكان ابن الأحمر يرقب هذا التيار الجارف جزعا ، ويحاول أن يقف في سبيله بسائر الوسائل ، ومنها وفي مقدمتها مصانعة ملك قشتالة القوي فرناندو الثالث . وقد ذهب ابن الأحمر في هذه المصانعة إلى حد أن ارتضى في معاهدة المهادنة والصلح التي عقدها مع هذا الملك القاهر ، أن يعترف بحمايته وان يحكم أراضيه باسم ملك قشثالة ، وان يؤدي له الجزية ، وان يشهد اجتماع مجلس قشتالة النيابي ( الكورتيس ) باعتباره من الأمراء التابعين للعرش ، وأخيرا أن يعاونه في حروبه ببعض قواته . بل لقد ارتضى ابن الأحمر ، تنفيذا لهذا الاتفاق ان يعاون قشتالة ببعض قواته في محاصرة إشبيلية ، وان يشترك بذلك في افتتاح هذه الحاضرة الأندلسية التالدة لحساب النصارى . وقد كان هذا التصرف مهينا ومشينا معا للأمير المسلم . ولكنه لم يجد مندوحة من اتباعه حرصا على صون مملكته الفتية وحمايتها من المصير الذي انتهت اليه الأندلس الكبرى . وقد تضمنت معاهدة الهدنة والصداقة فوق ذلك كله ، ان يتنازل الملك المسلم إلى ملك قشتالة عن عدد كبير من البلاد والحصون ، منها شريش ، والمدينة ، والقلعة ، وقادس ، وغيرها . وقيل إن ما تنازل عنه ابن الأحمر يومئذ للنصارى قد بلغ أكثر من مائة موضع ، معظمها في غربي الأندلس . وكان ذلك في سنة 665 ه ( 1267 . م ) وهكذا فقدت الأندلس معظم قواعدها التالدة في نحو ثلاثين عاما فقط ( 627 - 655 ه ) في وابل مروع من الأحداث والمحن . واستحال الوطن الأندلسي الذي كان قبل قرن فقط يشغل نحو نصف الجزيرة الإسبانية ، إلى رقعة متواضعة ، هي مملكة غرناطة الصغيرة . وقد أثارت هذه المحن التي توالت على الأندلس في تلك الفترة المظلمة من تاريخها لوعة الشعر والأدب . وهنا وفي هذه الآونة بالذات ، وعلى ضوء هذه الظروف المؤسية التي تنازل فيها ابن الأحمر عن عشرات البلاد والحصون الإسلامية للنصارى : هنا نظم شاعر العصر ، أبو الطيب الرندي مرثيته الشهيرة ، التي ما زالت تعتبر حتى اليوم من أعظم المراثي القومية وأبلغها تأثيرا في النفس ، وفيها يبكي قواعد الأندلس الذاهبة ، ويستنهض همم المسلمين أهل العدوة ، لانجاد الأندلس وغوثها . ولدينا لتأييد هذه الحقيقة في توقيت نظم القصيدة الشهيرة ، وظروف نظمها ، نصان تاريخيان معاصران ، الأول : وهو نص صاحب « الذخيرة السنية في تاريخ الدولة المرينية » وقد عاش في أواخر القرن السابع معاصرا لابن الأحمر الكبير ، وأبي الطيب الرندي وفيه يقول : « ولما أعطى ابن الأحمر البلاد المذكورة للاذفونش قال الفقيه أبو محمد بن شريف الرندي يرثي الأندلس ، ويستنصر بأهل العدوة ، من مرين وغيرهم » . ثم يورد قصيدة الرثاء بأكملها . ( 1 ) والثاني ، وقد كتب بعد ذلك بقليل ، في أواخر القرن السابع أو أوائل القرن الثامن ، هو نص ابن عذاري المراكشي ، حيث يقول في نهاية الجزء الثالث من كتابه الجامع « البيان المغرب » ، ما يأتي : « وفي هذه السنة » وهي سنة خمس وستين وستمائة صالح الأمير أبو عبد الله بن الأحمر ملك النصرانية ، الأذفونش ، على يد ولده الأمير أبي عبد الله . وقيل إن الصلح انعقد بينهما على نحو أربعين مسورا من بلاد المسلمين - أعادها اليه - وقيل إن أكثرها بغرب الأندلس ، ومن جملة تلك البلاد مدينة شريش ، والمدينة والقلعة ، ويجير وغير ذلك . . . وقد رثى الأندلس كثير من الأدباء . فمن ذلك قول صالح بن شريف من قصيدة . ثم أورد من القصيدة سبعة عشر بيتا مع تغييرات في نصوص بعض الشطرات . ووردت منها الأبيات المشهورة : أصابها العين في الإسلام فامتحنت حتى خلت منه أوطان وبلدان فاسال بلنسية ما شان مرسية وأين شاطبة أم أين جيان وأين حمص وما تحويه من نزه ونهرها العذب فياض وملئان قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان ( 2 ) وإذن فالحقيقة التاريخية هي أن مرثية الأندلس ، لم تنظم لرثاء سقوط الأندلس النهائي ، كما كان الاعتقاد شائعا لدى معظم الدوائر الأدبية والتاريخية ، حتى عصر المقري ( القرن الحادي عشر الهجري أو السابع عشر الميلادي ) وانما نظمت رثاء لسقوط القواعد الأندلسية الكبرى ، في النصف الأول من القرن السابع الهجري ، حسبما بينا من قبل ، وهي التي ذكرها أبو الطيب في قصيدته صراحة على النحو الآتي : فاسال بلنسية ما شان مرسية وأين شاطبة أم أين جيان وأين قرطبة دار العلوم فكم من عالم قد سما فيها له شان وأين حمص وما توحيه من نزه ونهرها العذب فياض وملئان قواعد كن أركان البلاد فما عسى البقاء إذا لم تبق أركان وقد حرك الشاعر إلى نظم مرثيته المبكية ما فعله ابن الأحمر في النزول عن عديد من المدن والحصون الإسلامية إلى ملك قشتالة ، وجاء بذلك نظمها متأخرا عن سقوط القواعد الأندلسية الكبرى بنحو خمسة وعشرين عاما . على أن هذه المرثية المبكية ما كادت تظهر في دوائر الشعر والأدب الغرناطية ، حتى اختفت بسرعة ، ولكن بعد أن تسربت إلى عدوة المغرب . وهنا يكمن السر في احتجابها بالأندلس موطن نظمها . ذلك ان الرندي كان ، حسبما تقدم شاعر ابن الأحمر الأثير ، يشيد بعهده وعبقريته وأعماله ، في قصائد عديدة . وإقدامه على نظم هذه القصيدة البليغة المؤثرة يثير كوامن الأسى والشجن ، في نفوس أولئك الذين شهدوا وعاصروا تصرف ابن الأحمر في النزول عن الأراضي الإسلامية إلى النصارى طواعية ، واختيارا ، وبلا حرب خسرها . وتداول مرثية تبكي قواعد الأندلس الذاهبة ، يذكر الشعب الغرناطي دائما بهذا التصرف الفاجع ، الذي أقدم عليه مؤسس مملكة غرناطة ، وأصبح منسوبا إلى دولة بني الأحمر كلها . وانه ليصعب علينا ان نفترض ان أبا الطيب قد نظم قصيدته سرا ، لتكون نفثة مصدور خاصة ، وهو قد نظمها ليهيب بمسلمي العدوة والمسلمين عامة ، أن يهبوا لنجدة الإسلام في الأندلس . وإذن فلا بد أن تحجب هذه القصيدة ، وأن يخمد هذا الصوت الذي يثير الألم والأسى ، صونا لسمعة السلطان ، وهيبة المملكة . ومن ثم فقد أسبل على مرثية الرندي حجاب كثيف من الصمت والنسيان ، طوال العهد الغرناطي كله . فقلما تجد لها ذكرا في السير الغرناطية أو الأدب الغرناطي . وحتى في المغرب حيث تسربت وقت نظمها ، إلى بعض الدوائر ، فقد كان تداولها محدودا جدا . ولعل ذلك يرجع إلى نفوذ البلاط المريني ، راعي الأندلس ، وحليف بني الأحمر . وهذا يفسر لنا في نفس الوقت موقف ابن الخطيب في تناسي هذه القصيدة ، وعدم الإشارة إليها بآية كلمة في الترجمة الفياضة التي كتبها للرندي في « الإحاطة » ، وأورد بها عدة من عيون قصائده ومقطوعاته الشعرية . ولسنا نعتقد أن ناسخ مخطوط الاسكوريال هو الذي أغفل ذكرها اختصارا ، أو ظنا منه أن شهرتها تغني عن ذكرها ، فهو لم يغفل ذكر العديد من قصائده الأخرى . ولكن التفسير الطبيعي لهذا الصمت من جانب صاحب
--> ( 1 ) الذخيرة السنية ص 127 وما بعدها . ( 2 ) البيان المغرب - المجلد الثالث - المنشور بعناية الأستاذ هويشي ميرانده ص 470 .